لماذا دائما , …..تهميش القضايا والمشاركات الفلسطينية ؟!!!!
منذ الدورة الأولي للمسابقة , والتي انعقدت العام الماضي – 2007- طرح هذا السؤال نفسه بقوة بين أروقة المسابقة …..
وازداد السؤال إلحاحا مع تراجع مركز الشاعر الفلسطيني / تميم البرغوثي , إلى المركز الخامس , رغم أن أغلب المؤشرات كانت تشير إليه , وبقوة , ليكون الفائز بالمركز الأول لمسابقة أمير الشعراء عام 2007
هل حقا – حسب ما توارد إليَّ من أخبار – تم قطع الاتصالات تماماً بين فلسطين والامارات العربية , أثناء الأسبوع الأخير من المسابقة , مما سبب عائقا أمام تصويت الجمهور الفلسطيني من خلال رسائل الـsms لصالح تميم البرغوثي ؟
إن كان هذا الخبر صحيحا – وآل فلسطين الكرام أعلم منى بمدى صحته – فلماذا حدث هذا الانقطاع في الاتصالات , تحديدا في هذا الأسبوع ….. هل هو أيضا مصادفة محضة ليس إلا ….. ؟
لماذا تبدو المسابقة دائما – وبوضوح شديد للغاية – ضد كل ما يحمل مجرد رائحة فلسطين ؟
ما الأسباب … ؟
ما الدوافع , والمبررات , والأعذار … ؟
ربما تزداد هذه الأسئلة سعارا , مع قراءة ما حدث في هذا العام – 2008 – مع احد الشعراء الفلسطينيين …..أيضا !!!
قراءة شعرية , لقصيدة ( دم إلى وجه البحر )
في الأمسية الأولى , من تصفيات دور الـ 35 للمسابقة , ألقى الشاعر الفلسطيني / سامح كعوش , قشيبة ً شعرية على بحر الكامل , بعنوان ( دم إلى وجه البحر ) ………جسد من خلالها فاجعة الطفلة الفلسطينية / هدى , التي قتل أهلها على شاطىء غزة ……..بأيدي الصهاينة …..

الشاعر الفلسطيني سامح كعوش
يقول الشاعر :-
قصيدتي عريضة ألم موقعة باسم “هدى غالية” الطفلة الفلسطينية التي فقدت عائلتها على شاطئ غزة، وخففت آلامها مبادرة فارس العطاء العربي سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان الذي تكفّل بتربيتها ورعايتها.
وقفت تهزُّ الموتَ يجثو أبكما
صَمَتت فضجّ أنينُها وتكلَّما
نظرت بعيني أمها، هَمَسَتْ لها
“أسْكِتُّ يا أمي وضيّعتُ الفما”
سأَلَتْ “وهل ذنبي ارتكابُ طفولتي”
أم أنني أُلْقِمتُ ثديكِ علقما”"
دمُنا لوجهِ الشمسِ، يرسمُ مبسما
دمنا ارتحالُ الريحِ في سفر النوارسِ مثلما
غيمٌ يفكُّ مفاصلَ الكلماتِ
قافيةَ الرِّثاءِ فإنّما
ضَحِكاتُنا وجعُ القصائدِ
رَجْعُ أشواقِ الدروبِ الباكياتِ مع الحِدا
خبرُ الفجيعةِ مبتدا
” هذا أبي !!! “
لا ليسَ ينْبضُ بالحياة ِ مردّدا
و كمثل ِ عادته ِ ، ” العبي “
هيا هدى
هيّا
وربِّ البيتِ قلْها
إنني أشتاقها
هيّا
و ربِّ البيت ِ قُلْ
ما شئتَ من عتبٍ على …
شوقٍ إلى …
أبتاهُ لا قولٌ يليقُ بذا النّدا
قيثارةً للحزنِ تتلو الأمنياتِ
بصوتِكَ الحاني يردّدُهُ الصدى
آهٍ أبي
ضاق َ المدى
ضاق المدى
ضاقَ المدى
والأفْقُ ضاقَ بهمِّنا
بصباحنا
ألهاهُ عنّا وجهُ طائرةٍ تطاردُ موتنا
متبسماً ومتيّماً ومُحتّما
بجراحنا
و بلهوِ أطفالٍ دِماهمُ للدُّمى
ووجوهُهُم للرّمل في تعبِ الحياةِ كأنما
خجلَ القتيلُ من القتيلِ فكلّما
جمعَ الأصابعَ، عدّها، وأعادها
للأرضِ يجبلها البكاءُ
يُعِدُّها قبراً لنا
آهٍ أبي
ما عادَ يتّسعُ الكلامُ
بغيرِ صمتِكَ و الرّدى
قُمْ يا أخي
قُمْ وانزرعْ شجراً
تفيءُ بظلّهِ مُزْنُ السما
واجعلْ دمي متراسَك المتقدّما
واهجمْ على الموت الجميلِ
فإنّ جرحك مرتعٌ
لذئابِ هذي الأرضِ تُسكرها الدّما
قُمْ سِرْ معي
متوضئاً بفراشةِ الدمِ أينما
يمّمتَ وجهَك شطرَ ناصيةِ الأمانِ
فلا أمانَ ولا حمى
كمْ واضحٌ دمُنا لوجهِ البحرِ
يغسلُ جُرْحَهُ بالملحِ
إن دمُنا همى
كم صادحٌ بوحٌ بمئذنةِ السماءِ
وصادقٌ طعمُ الظّما
قُمْ يا أخي
قُمْ سِرْ بكفِّ الأرضِ يحضنْكَ الحجرْ
وارفع جبينكَ عالياً
حقلاً لسنبلةٍ يغازلها القمرْ
نخلاً يطاولُ أنجُما
يا أيها الطفلُ الذي قرأ النبوءةَ فارتمى
كي يعبُرَ اليومَ القدرْ
أذّنْ فجرحُكَ ناطقٌ
بعذابِ أجناسِ البشرْ
==========================================
***قراءة شعرية للقصيدة – ولجنة النقاد تحت مجهر النقد المضاد !!! :-
في هذه القصيدة المنظومة على بحر الكامل , مشهدُ شعري مخضب بالدم الفلسطيني الزكي ….نلحظ كيفية انتقاله ببراعة من وضع الثبات الظاهري - الذي يتمثل في ما التقطته عين الشاعر من صورة الموت الجاثم بلا حراك ٍ في جثث آل الطفلة هدى- …. إلى مشهد صاخب بالحركة …..وبالمتحركات ………..ابتداء من السطر الشعري الأول الذي يقول فيه الشاعر ( وقفت تهز الموت يجثو أبكما ) ….. تلك المفارقة المبكرة التي تولدت من خلال استهلال المشهد الثابت ظاهريا , بأداء حركي ( وقفت – تهز ) –…..
مما أخرج القصيدة -منذ بدايتها -من وضع الجمود المتوقع - و الذي قد يثير الضجر الناجم عن تكرار الصورة الثابتة لمشهد الموت , مع الدوران الرتيب , والمستهلك شعريا , حول محور ثابت يمثل في صف للفاجعة , دون الانطلاق إلى آفاق شعرية أوسع تجتذب الرؤى وتفتح للخيالات المجال ……وهو الأمر الذي نجح الشاعر في التغلب عليه بإجادة تامة …
ولكن …. ماذا عن رأي لجنة التحكيم الميمونة ؟؟؟!!!
**************************************************
**************************************************
د. صلاح فضل :- هل تعرف يا سامح إن أصعب أنواع الشعر , هو الذي تقترب فيه بشكل مباشر لتسمي الأشياء باسمها , لأن الشعر في جوهره يعتمد على الرؤية المتباعدة , و على التمثيل المجازي وعلى التصوير , فأنت منذ البداية تتحدث عن جرح كل عربي , عن الألم الفلسطيني . ولكن تشعير هذا الألم أمر بالغ المشقة , فيضطرك هذا إلى تتكلف بعض الشيء في قصيدتك …مثلا تتكلف القافية …. يكفي أن نتذكر انك تبني قافيتك على كلمات مثل ( مثلما وإنما محتما كأنما أينما ) … هذا عسير !!!… ثم هل تتصور أن فتاة تخاطب أباها فتقول له : (هيا ورب البيت قلها) … لا بد أن تكون هذه الفتاة ممثلة في مسرحية تاريخية ……. وتكرر عبارة (ضاق المدى ) …….!!! للأسف مع أننا مهيئون للتعاطف معك بقوة وشدة !!!! …… لكن تشعير الأمر الفلسطيني بالغ الصعوبة …..أن أتمنى أن تعمق تجربتك وتشف تجربتك بأكثر من هذا -!!!!!
————————————————————
**في هذا التعقيب الطريف … من قبل د.صلاح فضل نلحظ وقفاته التالية مع القصيدة :-
أولا :- جحوده وإنكاره وجود صور شعرية , وتمثيلات مجازية في القصيدة ……ووصفه لها بالمباشرة اللفظية في أغلبها , والتى نجمت عن لجوء الشاعر إلى تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية !!!
ومن يقرأ القصيدة – دونما إلمام حتى بقواعد وأسس البلاغة بشقيها البياني والبديعي – يجد القصيدة مليئة بالصور الشعرية الرائعة ……. من أول سطر شعري ( وقفت تهز الموت يجثو ابكما – وتصوير الموت المعنوي بشيء مادي يمكن هزه ) – إلى آخر سطر شعري ( أذن فجرحك ناطق ٌ بعذاب أجناس البشر – وتصوير الجرح كأنه فم يصرخ ) … وبكل المجازات … بل وكل أشكال المحسنات البيانية والبديعية الممكنة !!!
أما المباشرة اللفظية فلم تقع إلا في كلمات قليلة , لا يمكن تمثيلها بلاغيا , فقد خلقت هكذا , ليتم استخدامها مباشرة … مثل كلمات :- ( هدى – أبي – أخي – أمي ) ………. وهي ألفاظ غير قابلة للازاحة اللغوية ….وإلا تغير معناها تماما !!!
ثانيا :- ادعاؤه … ثم استنكاره !! … لتكلف الشاعر قافيته في بعض المواطن من القصيدة ……….من خلال استخدامه كلمات مثل ( إنما – أينما – كأنما … الخ ) …..
ولا تعليق لدي !!!!!
ثالثا :- استهجانه لاستخدام الشاعر أسلوب القسم ( ورب البيت ) على لسان طفلة صغيرة ………. وهو الأمر الذي لا أرى فيه أي شيء يدعو للدهشة …..فما ضير استخدام أسلوب قسم مثل هذا – حتى ولو كان على لسان طفلة صغيرة تعيش في القرن الحادي والعشرين ؟ - لا أرى أنها أقسمت باللات أو بالعزي مثلا – حتى يصورها كأنها ممثلة في مسرحية تاريخية !!!!!
رابعا :- ثيعلن انه لم يتعاطف مع القضية أو المأساة , بسبب – ولاحظوا حجته العجيبة !!!- ارتكاب الشاعر للإثم المبين , والذي يتمثل في تكراره للسطر الشعري ( ضاق المدى ) في قصيدته !!!!!!!!!!!!!!
رائع هو د.صلاح فضل في تعليقاته حقيقة ً !!!!
** الغريب في الأمر …. هو أن تكرار سطر ( ضاق المدى ) . قد جاء – من حيث البنية التصويرية - في وقته المناسب تماما و بحرفية شديدة للغاية , يدركها كل ناقد ٍ يحترم علمه ويحترم الشعر ….. وقبلهما يحترم نفسه !!!!!
**وبفرضية جدلية .... وهي أن لـ د. صلاح فضل رؤية أخرى مخالفة ….فقد كان من المتاح له – سيما أن القصيدة , قصيدة تفعيلة – استخدام أدوات الإزاحة النقدية و اعتبار تكرار السطر الشعري , هو من باب جذب الانتباه السمعي للحضور واستثارة حس المتلقين …. …… لا سيما أن حذف السطرين المكررين لن يحدث كسراً في الوزن الشعري – فضلا عن أن الحضور قد صفق بحرارة فعلية تبرهن على نجاح عنصر التكرار هذا كعنصر جذب سمعي !!!
هكذا يفعل الناقد الذي يبحث جديا عن مواطن الجمال في القصيدة وليس مواطن القصور فحسب, أو على الأقل يبحث عنهما بحيادية تامة دونما إقحام لمعايير أخرى غير نقدية في بحثه
س : لماذا جاء تكرارعبارة (ضاق المدى) في محلها الأمثل ….
يعتمد هذا على الحس الشاعري - الذي لا يتولد من خلال الدراسة النقدية الجافة , بقدر ما يعتمد على الحس الشاعري , وفي هذا – مع اعتذاري لجميع النقاد – يتفوق الشعراء على النقاد ……….